الحلقة الأولى من السيرة النبوية العطرة

img
منوعات 0

الحلقة الأولى من السيرة النبوية العطرة : الطوفان يمزق العرب !! لولا أن حدث هذا الحدث الجلل .. ذاك الذى ارتجت له اليمن القديمة .. لمَّا هاجرت قبائل العرب، وتفرقت فى الجزيرة العربية .. وصارت أكثر بطونها ( لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ . فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْ ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) سبأ/ 16:15 أى ذواتى ثمر بشع المذاق . فالخمط من شجر الأراك مر الثمار يُستساغ لدرء جوع مهلك و(الأثل) شجر الطرفاء كثير الشوك و(السدر) شجر النبق قليل الانتفاع .. لولا هذا السيلُ، ما نزحت العرب من مكمنها بسبأ في العام ( 565 م ) لتنتشر فى البقاع المجاورة لها، والبعيدة عنها . تشردًا، وتيهًا، عقابًا ربانيًا لإحجامهم وإعراضهم عن الهدى، وجحودهم النعم التى غمرت حياتهم، فكان سيل العرم الهادر المدمر هو سوط العذاب المسلط عليهم . بالأمس البعيد كانت (سبأ) التى هى موطن ملوك اليمن وأصلها، كانت على خير حال مع ربها، تعبده من دون الآلهة المزعومة، وتصدق برسله التى ابتعثت في أهل اليمن القديمة، فساق الله لهم النعيم ألواناً، وحوَّل حياتهم من الضيق إلى السعة، ومن الشقاء إلى السعادة .. فارتخت الأرزاق ، وقل النصب فى الحصول عليها، وكثُر الثمار وتعددت ألوانه، وانتشرت الزروع على طول البلاد وعرضها. وجيل بعد جيل يأتى من يرتع فى النعيم ولا يذكر مُوجده بحمد ولا بشكر، وقست القلوب وران عليها ران، حجب عنهم الطريق إلى شكر خالق النعم، فبدا منهم الإعراض، وتسلب إلى النفوس سلوك الإنكار، فأمهلهم الله فسحة من الزمن، عساهم يثوبوا إلى رشدهم، فما قطع الله نعيمهم، وما أهلك زرعهم، بل بسط لهم كما بسط لآبائهم العيش، حين أوكل أمر هذا النعيم كله، إلى ذلك السد ( سد مأرب ) حين هدى عقول أجدادهم إلى بنائه، أوكل لسد مأرب أمر النعمة، فقد كان يأتيه الماء من بين جبلين ـ ماء السيول المتدفقة جراء المطر ـ فترتطم ببنائه الضخم، لتنتشر على أجنابه فى أودية كالشرايين، تُوزع ما صْب فيها على ربوع اليمن كلها، فتحول قحل صحرائها إلى جنة خضراء مثمرة الزروع . نعمة ساقها الله لهم، فلم تنمْ فى أرضهم نفسٌ جائعةٌ، ولم يقطع الطريق بواديهم قاطع، ولم يتناحر الناس على أمر الدنيا، فهى فى متناول الجميع، ولم يحتْل أحدٌ على قوته . واكتسح العمران أرض اليمن، وطغى اللون الأخضر على الأصفر، فلم تعد منه إلا بقعا صغيرة متناثرة هنا وهناك، تفصل القرى عن بعضها البعض، وكان مسافرُهم لا يحمل زاداً لطريقه، فأينما حط وجد حاجته من الطعام والشراب، بل والدواب السائبة فى البرارى، والتى ليس لها صاحب، ويقيل فى قرية، ويبيت فى أخرى ( وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ . فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) فماذا حدث لهم ؟ جاء (سيل العرم) وعجز السد عن مقاومة نطحه، وسرعان ما انهار ( سد مأرب العتيق ) وغمرت المياه الجنتين، وأتى الطوفان على العمران فى تلك البقعة من الدنيا . وخرجت كبرى القبائل ـ الأزد ـ وكانت تحكم البلاد ، خرجت من اليمن،ومعها لفيفٌ من القبائل الأخرى، يقودهم عمرو بن عامر المزيقاء ، وما لبثوا أن قطعوا شوطاً فى رحلة الفرار، حتى هلك منهم الملك عمرو فى الطريق، وآلت سيادة الأزد بعده إلى طريفة الخير ـ زوجه كاهنة مأرب ـ واصلت الزحف بهم حتى إذا نزلوا فى أرض بين اليمن والحجاز، مكثوا فيها ريثما الاهتداء لمنزل خصيب، يصلح للجميع، وفى يوم جمعت فيه الكاهنة طريفة قومها من الأزد .. وقالت لهم : نتفرق فى البلاد، فمن كان منكم ذا هم بعيد، وجمل متين، وزاد شديد فليلحق بقصر عمان المشيد ( فانطلق جماعة من الأزد إلى عمان ليكونوا أزد عمان ) . ومن أراد منكم الراسخات فى الوحل، المطعمات فى المحل، المغممات فى القحل فليلحق بيثرب ذات النخل ( فانطلق من الأزد ثعلبة بن عمرو وولده الحارث صوب ـ يثرب ـ ومن نسلهما كانت الأوس والخزرج ) ولحق بهم بنو عثمان الذين آثروا البقاء فى طريقهم (بتهامة) بعد أن انخزعوا عن ثعلبة والحارث فسموا (خزاعة) . وقالت طريفة : ومن كان منكم يريد خمراً وخميراً، وذهباً وحريراً، وملكاً وتأميراً ، فليلحق ببصرى والغدير ( فانطلق من الأزد – جفنة بن عمرو – وجماعته صوب الشام وأقام بمن معه عند ماء يقال له – غسان – ومن بنيه كانت الغساسنة ) ومن كان يريد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق، فيلحق بالعراق ( فانطلق إلى العراق من كان بصحبة طريفة الخير ، أصل الأزد ورأسها – المناذرة ). الكل تحرك نحو قصده ، سوى قبيلتين ( قاطوراء ، وجرهم ) اللتان آثرتا البقاء ريثما يكتمل توافد بقية القوم الذين تأخروا فى الخروج من اليمن ، وبعد أن تجمعتا استقر رأيهما على التوجه صوب مكة . وتمزق شمل الأزد بين عشية وضحاها، أصل قبائل العرب قاطبة ، وأصل بطونها، أبناء عمومة تفرقوا فى الجزيرة العربية بفعل (سيل العرم) الذى أهلك الله به الجاحدين بنعمائه فى اليمن . بسم الله الرحمن الرحيم: ( لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ . فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْ ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ . وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيا

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة